top of page

عادت الشمس إلى قلبي



حدث شيءٌ غريب، ولم أعلم به حتى تلك اللحظة.


استيقظت مبكّراً في ذلك الصباح الدافئ، مددت يدي إلى السماء وعيني لم تفتح بعد، وعَلَت وجهي ابتسامةٌ وكأنني لازلت في الخامسة من عمري ، ولكن بطول ذراعِ رجلاً في أوّل الثلاثين. اتجهت إلى مرآة مغسلة الحمّام، وقمت بتنظيف أسناني بكسلٍ وأنا أنظر إلى المرآة بنصف عين… لحظة، هذا أنا، أعرِفُني، نفس العين الفضولية والدهشة الحقيقية، بل وأنني أشعر به مجدداً، ليس ذلك فقط، بل إنني أَعرِفُهُ جداً، هنا في الجهة اليسرى من قفصي الصدري، هذا قلبي! القلب المتوهّج حياةً، إنه هنا، أضع يدي عليه لأتأكد، يبدو أن الشمس عادت به أخيراً بعد غروبها، ولكن المرعب، أنني لم ألاحظ ذلك الغروب عند حدوثه، حتى تلك اللحظة التي أشرقت بها شمس قلبي مجدداً. تجهّزت وارتديت قميصي الأزرق المفضل، وغادرت المنزل. في طريقي إلى العمل، نظرت إلى الشمس وكأنها تبسم وتحييني لتقولَ صباحُكَ خيراً أيها السعود، بعد أن وضعت من نورها في قلبي مجدداً، والسماء بغيومها المتفرقة بين الأزرق الفاتح المُشِع تفتح يديها وتقول: هذا العالم كلّه مِلكُك، وأنا السماء بكل حدودي الغير محدودة؛ مساحتك.. امشِ وسر، واسلك أي اتجاهٍ تريد، فالطُّرُقُ طُرُقَك، والحياة في قلبك، فسر يا سعود بهذا القلب المنير، سر وتذكّر أنك هنا لست لشيءٍ سوا أن تكون أنت، وما الحياة سوا أن تكون أنت، سوا أن تكون هذا السعود. تتحرك شمس قلبي وتتسع السماء داخلي في تلك اللحظة، وكأن كل لطف الدنيا نزلَ على هذا القلب الصغير. أنزِلُ إلى محطة القطار واضعاً سماعتي الزرقاء وأنتظر وصول القطار، تبقى من الوقت دقيقتين، حاملاً في يدي كتاب شعرٍ لرضوى الحاج، فَيَصِل القطار وأَدْخُلَ مسرعاً لأجد كرسياً متفرغاً لي ولأبياتِ رضوى، فأجلس على الكرسي في آخر الصف، والموسيقى تدخل في أُذُنِي، فأبدأ في قراءة الكتاب، وهنا في تلك اللحظة، أُقسِمُ أنني نسيت أنني في القطار وأصبحت أنا والأبياتَ والشمسَ التي في قلبي والموسيقى الفلكلورية في أُذُنِي، حتى أنني قمت بتفويت المحطة التي تأخذني إلى عملي، واضطررت إلى تغيير القطار في المحطة الأخيرة والعودة إلى المحطة السابقة، والعجيب في الموضوع هو أنني لم أكترث، بل أنني ضحكت وحملت الكتاب بين يدي وكأنني لم أفعل شيئاً سوا أنني كسبت المزيد من الوقت مع أبيات رضوى قبل أن أبدأ يومي في العمل. أَصِل إلى العمل وأُصَبِّحَ على كل من في المكتب، وكأنه اليوم الأول لي حيًّا على هذه الأرض، وكأنني لست ذلك الشخص الذي بالأمسِ كانَ شاحباً مختزلاً من الحياة ولم يكن يفعل سوا الإنتهاء من مهامه اليومية الروتينية ومشاهدة حلقات مسلسلاته المفضلة حتى سئم منها جميعاً. كم عجيبٌ هو الإنسان، تأخذه الحياة منها، حتى تعود بهِ فجأةً إليها، وتعود إليه في قلبه، وكأنها الحبيبة الغائبة في بلدٍ بعيد، فاعتاد على الأيامِ دونها؛ حتى تعود ويعي ما هو شكل الصباحاتِ والليالِ معها، كيف الحرف يصبح له طعمٌ في كل كلمةٍ يقولها، وكيف الكلمةَ من ذلِكَ المبسمِِ تَزْهِرُ حديقةً بأكملها، فالروحُ تُسقى والقلب يحيى والعمرُ فجأةً تصبحَ أيامَهُ للعَيْشِ تَسْوَى. إنها الحياة، تلك الحبيبة برغم كل العند الذي بها، والمزاج المتقلب والغضب الغير منطقي، نهيم بها… 


عادت الشمس إلى قلبي، وعدت أنا إِلَي،

وعدنا أنا وقلبي.. إليكم.


Comments


Let me know what's on your mind

Thanks for submitting!

© 2023 by Turning Heads. Proudly created with Wix.com

bottom of page