top of page

في صندوق الذكريات

  • 11 hours ago
  • 2 min read

في يومِ أحدٍ فارغ، لم أذهب إلى العمل ولم أعمل أيضاً على ملء ذلك الفراغ الذي اجتاح عصر هذا اليوم. قررت أن أعيد ترتيب الصناديق الممتلئة في زاوية غرفتي والأدراج التي تحتوي على كل شيءٍ جمعته في آخرِ سنينَ حياتي ولم أستخدمه منذ أن وُضعَ في أحدِ هذه الأدراج الخشبية. الدرج الأول، العديد من النظارات الشمسية التي توضح تغيّر الذوق لدي مع مرور الوقت، وكروت العمل التي جمعتها من مختلف الأماكن والتي لم أنظر إليها مجدداً في يوم، مع استنتاجي بأن كروت العمل هذه لا تغني ولا تسمن من جوع، أرميها جميعاً علماً بأني لا أتذكر أصحابها، وإن كانوا بتلك الأهمية بالنسبة لي "مع العلم بأهميتهم كأشخاص في الحياة بشكلٍ عام"، كنت قد تحدثت معهم فوراً بعد لقائهم وأضفت أرقامهم إلى جهات الاتصال في هاتفي، ولكن لا، فإلى اللا نهائية وما بعدها، في سلة المهملات وليس في سلّةِ حياتي.

 

أنتهي من إفراغِ الدُّرجِ الأول وأضع كل مجموعةٍ من الأشياء التي تنتمي إلى نفس العائلة معاً على الأرض، لأرى كيف سأضعها مجدداً في الأدراج والصناديق. أنتقل إلى الدُّرجِ الآخر وأجِدَ بعض الأشياء التي جعلت قلبي يذوب مجدداً، تماماً كما اللحظة الأولى التي كانت هذه الأشياء بين يدي. بعضٌ من الأوراق والمقتنيات التي تلخّص لحظاتٍ شعرت بها بمختلف المشاعر، الرسائل الورقية والهدايا المعنوية، وهذه من الأشياء التي أحبّها، لأنها تعيش معنا وتذكّرنا أن هنالك شخصٍ في يومٍ ما، فكّر في ما هية الكلمات التي يعبر بها عمّا بداخله إليك، وما هو الشيء الذي رآه في إجازته وهو في أحد المدن الساحلية، واختاره ليقول لك أنني تذكرتك وأنا في ذلك الجزء من العالم.

 

عن ذلك الجزء من العالم، وأجزاءً أخرى مشيتُ بها، وجدت العديد من الأشياء التي اقتنيتها في أوقاتٍ عديدة من مختلف الأماكن. لا أتذكّرُ أنني يوماً رحلت من مكان، دون أن يكون هنالك شيءٌ بي تغير بعدها، إن الرحيل دائماً ما  يغيرنا، يجعلنا نعود إلى ذواتنا بشكلٍ غريب.. مهما كان شكل الرحيل وطريقته، سواءً كان الرحيل من المنزل أو إليه، من المدينة أو الأخرى، من العلاقة أو الحب، من عملٍ أو فصلِ قد انتهى، بعد الرحيل، نعود إلينا من جديد، ولكن في كلّ عودة، هنالكَ شيٌ يتغيّر بنا.

 

بعد كل رحيل، تكمن العودة إلى الذات. استنتاج اليوم.

 

أنتهي من الدرج الثاني، وهنا نبدأ بفرز الأشياء، مالذي سيوضع في صندوق الذكريات؟

توقّفت للحظة لأدرك، بعد أن نظرت إلى أشياءٍ ظننت أنها ستبقى دائماً من حاضري، إنني أضعها اليوم في صندوق الذكريات. يا للحياة ويا للأيام الغير متوقّعة، ويا لهذا الصندوق الأمين الذي يحمل كل هذه اللحظات به ويعيد سرد كلّ حكايةٍ وسرٍ ويضعه أمامي من جديد، ليخبرني كيف أنني مضيت من كل ذلك، وكيف الحياة هنا تغيّرت، والأشياء التي في الصندوق أصبحت من الماضي، حتى أنني قررت إزالة بعضها من الصندوق، لتذهب إلى اللا نهائية وما بعدها، ولكن ليس في صندوقي من جديد، ولا في خانات الذكريات.

 

صندوق الذكريات، والعديد من اللحظات، والحب الغير منسي، والرابط الذي بيننا، حتى بعد أن أصبح كلٌّ منا ذكرى في صندوق الآخر.

 

 
 
 

Comments


Let me know what's on your mind

Thanks for submitting!

© 2023 by Turning Heads. Proudly created with Wix.com

bottom of page