من أين لك هذه الحياة؟
- 6 days ago
- 3 min read

ذات يومٍ على الأرجوحة في شرفة منزل الجدّة، يجلس ذلك الكائن المخلوق المسمّى بالإنسان، وقد مضى من عمره تسعة أعوام، ينظر إلى الخارج، ويفكّر عن الخارج. حدود الخارج في ذلك العمر دائمًا محدودة، أمّا بالنسبة له، فكان الخارج واسعًا جدًا، مثل داخله.
ينظر من الشرفة ويأخذ وقفة، وينتظر ليرى أين سيصل به قطار تفكيره، ثم يقطع سبيل القطار ويذهب ليأتي بورقته وقلمه.
قضايا عديدة كانت تحضره في تلك المرحلة من حياته. وعلى محدودية القضايا في ذلك العمر، كانت لديه قضاياه. بدايةً من محمد الدرة، والمشهد الذي لم ينسَه منذ رآه، إلى مشاعرٍ لا يعلم بوجودها، لكنه كان يعلم أن شيئًا ما يحدث داخل قلبه الصغير الكبير، ويريد أن يضعه في مكانٍ ما.
غير تعرّفه على وجود الحب من خلال تامر حسني وعمرو دياب وشيرين، و"كل القصايد" لمروان خوري، و"أحلى دنيا" من إليسا، بدأ يتعرّف على حالات من المشاعر دون أن يعيشها، لكنه شعر أن هنالك ما يتحرّك في داخله، أشبه بحمامة بيضاء وهي تحلّق به خارج قلبه إلى قلبه.
يشاهد الكرتون، ويرى ما خلف القصص. يتعاطف مع البطل، وأيضًا مع الشرير في القصة. يحلّ الكلمات المتقاطعة، ويسمع الأغاني من خلال جهاز المسجّل الصغير ذو الكاسيت. لديه العديد من الأفلام المستعارة من ابن عمّه، وبعضها كان قد اشتراه بنقوده الخاصة التي يحفظها للحظة المناسبة، مثل صدور جزء جديد من فيلم هاري بوتر.
ذات يومٍ في شرفة منزل الجدّة، قرر أن يبدأ سلسلةً مسجّلة لبعضٍ من أشعاره التي يعبّر بها عن قضاياه، مثل فلسطين ومحمد الدرة، والحب العجيب الذي يشعر به دون معرفة مصدره، والأمواج الباردة، واللحظات التي يريد أن يعيشها دائمًا.
يضع كاسيتًا انتهى من سماعه، وأصبح مستعدًا للتخلي عنه، لمجرد صنع عملٍ فنّي.
هو لا يعلم ما يريد من خلاله، سوى أن يقول ما بداخله، ويمارس ما يحب أن يمارسه: أن يُعَبِّر.
أن يَشعُرَ ويَعْبُرَ من لحظةٍ إلى أخرى من خلالِ اللحظة ذاتها.
توالت الأحداث بشكلٍ عجيب، حتى فجأةً ذلك الكائن المخلوق المسمّى بالإنسان، والذي كان قد مضى من عمره تسعة أعوام، أصبح في الرابعة عشرة. ولم يعد يزور شرفة الجدّة، حتى هجرها، وهجر معها قضاياه وتركها في داخلها وأغلق الباب.
لكنها كانت دائمًا تجد طريقها مجددًا إلى قلبه، مع أن قلبه في تلك المرحلة بدأت تتغيّر فيه مجاري البحار، برغم قلبه الواحد.
تطوّرت القضايا، ولم تعد فقط قضايا في جدران عقله، بل أصبح يعيشها، وتعرّضه للحياة بشكلٍ أكبر جعله يدرك حقائقها: هي ليست عادلة، خاصةً عندما تكون في الرابعة عشرة من عمرك.
فصلٌ جديد بدأ.
ها هو شكل الحب في نظره بدأ يتغيّر. إنها المرة الأولى التي يعرف بها معنى أن يُحِبَّ أحدًا بمسمّى الحب، ويكون خارج الإطار الذي يعرفه.
بدأت الدهشة تعتريه. إنه لمن الجميل أن نُحِبّ ونُحَبّ.
لهفة الرسالة والحرف والتخطيط للقاء، وتلك الأهلاً الأولى، والصوت المرتجف، والحياء، والنظرة المليئة بالعاطفة العجيبة، والتي من خلالها نعي أن هنالك على الحياة ما يستحق البقاء.
حتى تعرّف للمرة الأولى على مرارة الألم، حين يأتي بعد كل ذلك الشعور العجيب الذي أخذه إلى السماء، ليعود به مرتطمًا إلى الأرض.
كان الشعور جديدًا بالنسبة له، مع أنه لم يكن كذلك، ولكنه كان قد نسى الألم الذي عاش معه في طفولته، وهذه من نعم الله علينا، أننا ننسى، ولكن الجسد لا ينسى، والشعور بالخذلان يُوضَع في أحد الرفوف، والقصص تُحفَظ في الأدراج والدواليب، والأيام وحدها كفيلة بأن تأخذك إلى هناك مجددًا، أو أنها تبقى في أماكنها مغطاةً بالتراب لتأخذها معك إلى قبرك ربما، تحت التراب.
ألمٌ واثنان، حبًّا وآخر.
توسّع شكل الشعور لديه عندما أصبح في العشرين من عمره، وبدأ يكتشف نفسه من جديد، مع أن القضايا هنا فعلًا لم تعد ذاتها، سوى قضية واحدة كان يحاول إثباتها طوال الطريق:أنه يستحق.
في ذلك الوقت، هو لم يدرك القضية، لكن كل القصص في تلك المرحلة الحياتية كانت تدور حولها، مع الكثير من الأقلام المبعثرة في الأرجاء، والنصوص التي لم تكتمل، ومشاعر لا يعلم أين يذهب بها، وتلك التي فقدها فور تعرّفه عليها، فأصبح يبحث عنها في الأرجاء، إلى أن أدرك، في يومٍ ماطر، أنّهُ بهذه الطريقةِ لن يجدها.
كلّ يومٍ يتغيّر الهدف، وكلّ يومٍ يفقد جزءًا من نفسه، مع تخلّيه عن حلمٍ بسبب صورة يخشى أن يكونها، والعديد من "ماذا لو لم أكن مقبولًا"، والشروط العديدة التي قد يتجاوزها.
فاختار في تلك المرحلة أن يبقى في مكانه.اختار الأمان.
مضت الأيام، حتى وجد أن الحياة جعلت منه إنسانًا مسؤولًا بشكلٍ حقيقي، وكأنها كانت تجهّزه طوال ذلك الوقت للأيام التي تليها، فأصبح قادرًا أن تكون قضايا الآخرين أيضًا قضاياه.
وفي نفس الآن، لم يتخلَّ يومًا عن قضاياه.
هو إنسان صاحب قضية دائمًا.فهكذا عاش الحياة، وهكذا عرفها.
ذات يومٍ على الكرسي في منزله، يجلس ذلك الكائن المخلوق المسمّى بالإنسان، وكان قد مضى من عمره واحدٌ وثلاثون عامًا، بذاتِ القلب وبحارِهِ التي تفيض، والقضايا التي عاش عليها، والتي لم تَقِل، بل أصبحت في ازدياد، حتى أدرك أن ليست كل قضية يجب أن يجد لها حلًّا، بل إيمانًا بأنها قضيته، وكل قضية هي رحلة متغيّرة تأخذه في محطاتٍ ليتعرّف بها على نفسه، وما الحياة إلا رحلة نتعرّف بها على ذلك الكائن المخلوق المسمّى بالإنسان.
إذن، من أين لك هذه الحياة؟
إنها قضية،
الحياة قضيتي.



Comments